السوريون .. يتعرضون للتعذيب لكتم أصواتهم

في الوقت الذي تتكشف فيه الخفايا المروعة في سوريا، أفكر بـ مازن درويش وهاني الزيتاني وحسين غرير وما الذي كانوا سيفعلونه لو لم يكونوا معتقلين، ربما كان مازن مستمراً في التحقق من الفيديوهات ومقابلة الشهود وتحرير البيانات دفاعاً عن الناشطين المعتقلين تعسفياً، وفي حين يقف العالم متفرجاً على القتل والوحشية التي وصلت في سوريا إلى مستويات جديدة أفتقد صوته ومبادئه أكثر من أي وقت مضى.

كنت محظوظاً حين أُفرج عني بكفالة بعد سنة من التعذيب والآن انتظر المحاكمة مع زملائي في المركز السوري للإعلام وحرية التعبير وأعرف تماماً أن مازن والآخرين يريدونني قوياً ومستمراً في البوح للعالم ما يتعرض له المدافعين عن حقوق الإنسان السوريين في نضالهم هذا.

عندما انقضّت علينا المخابرات الجوية صباح السادس عشر من فبراير/شباط عام 2012 علمنا جميعاً أننا سندفع غالياً ثمن تجرّئنا على ممارسة حقوقنا في الاحتجاج السلمي والتنظيم والتحدث بصوت مسموع فقد كنا نعي أننا نتعامل مع نظام لا يرحم وآلة حكومية وحشيّة لا تبقي معارضاً لها.

وكان الثمن باهظاً، فخلال ثلاثمئة وستة وخمسين يوماً من الاعتقال تحت الأرض وفي زنازين وجماعياتمتعددة كنت أرددها كتعويذة سحرية حرية التعبير ..حرية المجتمع تقيني عناصرالفرقة الرابعة التابعة للجيش السوري والمخابرات الجوية الذين حاولوا تحطيم عظامي وسحق أحلامي وهم يرددون هل هذه الحرية التي تريد؟ وأنا أحاول حماية رأسي من ضرباتهم.

أطلقت صوتي عالياً ولكن في مدى عيني محاولاً التغطية على الأصوات التي يريدونني أن أسمعها من كلماتهم إلى صرخات من يعذبونهم حتى الموت، من يسلخون جلودهم عن أجسادهم وينتزعون منهم أرواحهم.

أردت النجاة .. أردت أن أنظر في عين العالم لأخبره: نحن السوريون نستحق الحياة كمواطنين ونريد حقوقنا في التجمع والتظاهر والكتابة بحرية وأن نحمل قادتنا المسؤولية في نكث عهودهم معنا ومع الإنسانية.

أطلقوا سراحي وعبد الرحمن حمادة، ولكنهم احتفظوا برفاقي مازن درويش وهاني الزيتاني وحسين غرير. لا ينقضي يوم دون أن أفكر بهم وهم محتجزين ويفتقدون كل شيء إلا إيمانهم، لازالت أصواتهم تعبق في أذنيّ وأحياناً أراهم جالسين خلف شاشات الكمبيوتر ثابتين بينما تشرق الشمس وتغيب عليهم في ذلك اليوم الماطر من شباط. ما أزال أذكر أيامنا في مكتب المركز الذي كان يضج بالحياة والأمل والسرعة في توثيق الانتهاكات وتبيانها للعالم، المكتب الذي عانق معتقداتنا وعززها.

كان المفترض أن تتم محاكمتنا يوم السادس والعشرين من حزيران ولكن تم تأجيلها مرات كثيرة وبشكل ممنهج وإلى موعد الجلسة القادمة في 25 مارس/آذار، ستكون روحي مع أصدقائي في غرفة القاضي حيث سيحاكمنا تحت قانون مكافحة الإرهاب الذي صدر في تموز 2012 وبتهمة الترويج لأعمال إرهابية” ..

ما هي جريمتنا؟

 نشر دراسات عن حقوق الإنسان ووضع الإعلام في سوريا أم توثيق أسماء المعتقلين والمفقودين والمطلوبين والقتلى خلال الثورة السورية؟ أود أن يشرح لي أحدكم كيف أصبحنا إرهابيين وأريد أن أعي لماذا سيحكم علينا بالسجن خمسة عشر سنة مع الأشغال الشاقة نتيجة لعملنا المشروع في توثيق الانتهاكات.

بينما يعطي زعماء العالم تصريحات حول إمكانية مفاوضات السلام ويعدون الخطط لمحاربة داعش، يقبع عشرات الآلاف من السوريين في معتقلات سرية تحت ظروف لاإنسانية ويتم تعذيبهن بسبب نشاطهم السلمي، وفي حين تتجه الأزمة في سوريا إلى مزيد من العسكرة أعرف أن أصدقائي يريدون مني تذكير العالم أن كل ما يجري في سوريا بدء عندما شعر مجموعة من النشطاء السلميين أنه حان الوقت لبلدنا أن ينهي عقوداً طويلةً من القمع ويخلق زمناً جديداً لحرية التعبير والمشاركة السياسية.

أجيب هؤلاء الضباط والعناصر الذين حاولوا أن يكسروا ركبتيّ: لا ليست هذه الحرية التي نريد وما نريده قادم لا محالة عندما تقفون أنتم وأمثالكم أمام القضاء لمواجهة جرائمكم ضد الإنسانية.

ولن نشبهكم فيما فعلتموه، لن نعذبكم أو نخطفكم أو نقتلكم أو نرهبكم أو نذلّكم، سنعاملكم بإنسانية وسنعلمكم معنى العدل.

حينها فقط سأكون قادراً على الإجابة: نعم هذه الحرية التي نريد، إنها الحرية التي كنا على استعدادٍ للموت من أجلها، هي الحرية التي قدم زميلنا وصديقنا أيهم غزول حياته ثمناً لها فقتلتموه في المعتقل تحت التعذيب، ربما أراد توجيه الرسالة الحق إلى العالم: نحن نتعرض للتعذيب حتى الموت إن رفعنا صوتنا عالياً.

منصور العمري صحفي وناشط حقوقي سوري يعيش في المنفى.